معركة الموازنة الأوروبية المقبلة .. انقسامات تهيمن على قمة بروكسل تكشف رؤى مختلفة حول مستقبل الاتحاد

معركة الموازنة الأوروبية المقبلة .. انقسامات تهيمن على قمة بروكسل تكشف رؤى مختلفة حول مستقبل الاتحاد

بروكسل (پاکستان پوائنٹ نیوز ‎‎‎ 17 يونيو 2026ء) تتجه أنظار العواصم الأوروبية إلى بروكسل حيث يلتقي قادة الاتحاد الأوروبي يومي 18 و19 يونيو الجاري في أول نقاش سياسي رفيع المستوى حول الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2028-2034، في ظل خلافات متزايدة بين الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية بشأن حجم الإنفاق، وأولويات التمويل، وآليات تقاسم الأعباء المالية.

وتكتسب هذه المفاوضات أهمية استثنائية لأنها لا تتعلق فقط بتوزيع نحو تريليوني يورو خلال السنوات السبع المقبلة، بل تمثل أيضاً اختباراً لقدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين متطلبات الأمن والدفاع والتنافسية الاقتصادية من جهة، والحفاظ على سياسات الدعم التقليدية للزراعة والتنمية الإقليمية من جهة أخرى، في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً مالية وجيوسياسية غير مسبوقة.

ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى التوصل إلى اتفاق مبكر قبل بدء الدورة الانتخابية الأوروبية المقبلة، وقبل احتمال حدوث تغييرات سياسية في فرنسا، حيث تعهد رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا، المرشح المحتمل للرئاسة، بخفض مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد إلى النصف إذا وصل إلى السلطة.

وهذا العامل يفسر تسارع وتيرة المفاوضات ومحاولة الرئاسة القبرصية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي طرح أول وثيقة تفاوضية ("نيغوبوكس") تتضمن خيارات التسوية الممكنة بين الأطراف المختلفة.

ويتمحور الخلاف الأوروبي الأول حول حجم الموازنة .. فالبرلمان الأوروبي يطالب بموازنة تبلغ نحو 1.79 تريليون يورو، أي ما يعادل 1.27% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد، مع استبعاد أقساط سداد ديون صندوق التعافي الأوروبي من سقوف الإنفاق.. أما المفوضية الأوروبية فتقترح موازنة أقل بقليل تبلغ 1.76 تريليون يورو، تمثل نحو 1.15% من الدخل القومي الإجمالي.

في المقابل، قدمت الرئاسة القبرصية اقتراحاً أكثر تحفظاً يبلغ نحو 1.73 تريليون يورو شاملاً أقساط الديون، أو ما يعادل 1.13% من الدخل القومي الإجمالي، وهو ما يعكس موقف الدول المقتصدة التي تسعى إلى الحد من زيادة مساهماتها الوطنية.

ويكشف هذا التباين عن انقسام جوهري بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل الاتحاد .. رؤية تعتبر أن التحديات الجديدة، من الدفاع إلى الأمن السيبراني والتنافسية الصناعية، تتطلب زيادة ملموسة في الإنفاق الأوروبي المشترك.. ورؤية أخرى تقودها الدول المساهمة الصافية الكبرى وترى أن الضغوط المالية الوطنية لا تسمح بتوسيع الميزانية الأوروبية.

وتقود ألمانيا وهولندا والسويد والدنمارك والنمسا جبهة تطالب بضبط الإنفاق الأوروبي وعدم زيادة المساهمات الوطنية.. في المقابل، تدافع مجموعة واسعة من دول الجنوب والشرق الأوروبي، وفي مقدمتها إيطاليا وإسبانيا وبولندا، عن الحفاظ على مستويات الدعم المخصصة للزراعة وسياسات التماسك والتنمية الإقليمية.

ويبرز هنا خلاف سياسي حساس يتعلق باستمرار نظام الحسومات أو "الخصومات" التي تستفيد منها بعض الدول المساهمة الصافية في ميزانية الاتحاد.

وقد أثارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هذا الملف عندما وصفت هذه الحسومات بأنها "أمر عفا عليه الزمن"، مطالبة بإلغائها أو منح الدول الأخرى المعاملة نفسها.

ولا يقتصر الخلاف على حجم الأموال، بل يمتد إلى طريقة إدارتها.. فالمفوضية الأوروبية تقترح إنشاء "خطط الشراكة الوطنية والإقليمية" التي تجمع معظم التمويل الأوروبي ضمن إطار موحد على المستوى الوطني، على غرار الآلية التي استخدمت في صندوق التعافي بعد جائحة كورونا.

وتعتبر الدول الأعضاء أن هذا النموذج يوفر مرونة أكبر ويربط التمويل بالإصلاحات المطلوبة.

لكن البرلمان الأوروبي يخشى من تركيز السلطات بيد الحكومات الوطنية والمفوضية الأوروبية على حساب الأقاليم والسلطات المحلية، ويطالب بالإبقاء على خطوط تمويل مستقلة ومحمية للسياسة الزراعية المشتركة وصناديق التنمية الإقليمية وسياسة التماسك.

ويعكس هذا الخلاف نقاشاً أعمق حول طبيعة الحوكمة الأوروبية وحدود المركزية في إدارة الموارد المالية.

وتشكل أولويات الإنفاق إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل فالمفوضية الأوروبية تسعى إلى توجيه موارد أكبر نحو الدفاع والصناعات الاستراتيجية والابتكار والقدرة التنافسية، استجابة للتحديات الأمنية المتزايدة والأزمة الأوكرانية والمنافسة مع الولايات المتحدة والصين.

لكن الرئاسة القبرصية اختارت حماية مخصصات الزراعة والتنمية الإقليمية إلى حد كبير، ووجهت معظم التخفيضات المقترحة إلى برامج الدفاع والتنافسية.

ونجح هذا التوجه في تجنب مواجهة مباشرة مع دول الجنوب والشرق الأوروبي، لكنه أثار اعتراضاً شديداً من السويد والدنمارك والدول المؤيدة لتعزيز الإنفاق الدفاعي.

ويكشف ملف البحث العلمي والتعليم حجم التباينات بين المؤسسات الأوروبية.. فالبرلمان الأوروبي يطالب بتخصيص 200 مليار يورو لبرنامج "هورايزون أوروبا" للبحث والابتكار، بينما اقترحت المفوضية 175 مليار يورو، وخفضت الرئاسة القبرصية الرقم إلى 167 مليار يورو فقط.

ويطالب البرلمان أيضا بزيادة تمويل برنامج "إيراسموس+" للتبادل الطلابي إلى نحو 48 مليار يورو، مقابل 40.8 مليار اقترحتها المفوضية و39.1 مليار فقط في مقترح الرئاسة القبرصية.

ويعتبر البرلمان أن تقليص هذه البرامج يتناقض مع الخطاب الأوروبي الداعي إلى تعزيز القدرة التنافسية والابتكار.

وربما يكون الخلاف الأكثر تعقيداً هو كيفية تمويل الموازنة.. فالبرلمان الأوروبي يدفع بقوة نحو توسيع ما يعرف بـ"الموارد الذاتية"، أي مصادر الإيرادات المباشرة للاتحاد الأوروبي بعيداً عن المساهمات الوطنية.

ومن أبرز المقترحات فرض ضريبة أوروبية على الشركات الرقمية الكبرى وعائدات نظام تداول الانبعاثات الكربونية وإيرادات آلية تعديل الكربون على الحدود وضرائب على التبغ ورسوم على النفايات الإلكترونية وموارد جديدة مرتبطة بالأصول المشفرة إلى جانب رسوم على أنشطة المقامرة والألعاب الإلكترونية.

ويرى البرلمان أن فرض مساهمة على شركات التكنولوجيا العملاقة أصبح ضرورياً لتجنب خفض الإنفاق على المواطنين والمزارعين والأمن الأوروبي.

إلا أن هذا التوجه قد يفتح جبهة توتر جديدة مع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، التي تعارض منذ سنوات الضرائب الأوروبية الموجهة ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.

ولا يُتوقع أن تشهد قمة 18 و19 يونيو أي اتفاقات نهائية، بل ستوفر أول اختبار سياسي حقيقي لمواقف القادة الأوروبيين وستركز المناقشات على تحديد خطوط التفاوض العامة قبل انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تفصيلاً خلال الرئاسة الإيرلندية المقبلة لمجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2027.

غير أن المؤشرات الحالية تظهر أن الفجوة لا تزال واسعة بين البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء، وبين معسكري "الإنفاق الطموح" و"الانضباط المالي".

وتكشف مفاوضات الإطار المالي الأوروبي المقبل عن صراع استراتيجي يتجاوز الأرقام المالية.. فالمسألة الأساسية التي تواجه القادة الأوروبيين هي تحديد طبيعة الاتحاد خلال العقد المقبل .. هل سيكون اتحاداً أكثر طموحاً واستعداداً للاستثمار المشترك في الدفاع والتكنولوجيا والسيادة الاقتصادية، أم سيظل مقيداً بحسابات الموازنات الوطنية والخلافات التقليدية بين الدول المساهمة والدول المستفيدة؟

وستشكل قمة بروكسل نقطة الانطلاق السياسية لهذه المعركة الطويلة، التي قد تستمر حتى عام 2027، لكنها ستحدد إلى حد كبير قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المتصاعدة في السنوات المقبلة.