الأواني الفخارية ابتكارات قديمة في تبريد المياه وحفظ الغذاء

القاهرة (پاکستان پوائنٹ نیوز ‎‎‎ 08 كانون الثاني 2026ء) تُعدّ تقنيات تبريد المياه وحفظ الغذاء في البيئات الحارة من أقدم الحلول التي طوّرتها المجتمعات الزراعية، معتمدةً على الأواني الفخارية المسامية بوصفها وسيلة فعّالة ومستدامة.

وعُرفت هذه الأواني بتسميات متعددة في العالم العربي، من بينها "الزير" و"القُلّة" في مصر وبلاد الشام، و"الحَبّ" في الجزيرة العربية، و"الخَوابي" في المشرق العربي، لا سيما في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، واستُخدمت تقليديًا في حفظ المياه والزيوت والحبوب، في دلالة على وحدة الفكرة الوظيفية وتنوّع السياقات البيئية والثقافية.

وأشار عدد من المصادر إلى أن هذه التقنية تعود إلى عصور قديمة سبقت الحضارة المصرية القديمة، إذ اعتمدت على فخار غير مزجّج ذي مسام دقيقة تسمح بتسرّب كميات محدودة من الماء إلى السطح الخارجي، مما يؤدي إلى تبخّره وخفض درجة حرارة المحتوى الداخلي، وقد أثبتت هذه الوسيلة كفاءتها في مواجهة المناخ الحار، ولا تزال مستخدمة حتى اليوم في بعض البيئات الريفية بوصفها نموذجًا حيًا للتقنيات البيئية التقليدية.

وفي مصر، ترتبط صناعة هذه الأواني ارتباطًا وثيقًا بطمي نهر النيل، الذي تراكم عبر آلاف السنين بفعل الفيضانات السنوية، وتميّز بخصائص فيزيائية وكيميائية جعلته مادة مثالية لصناعة الفخار من حيث اللدونة وقابلية التشكيل والتحمّل الحراري، وأسهم ذلك في ازدهار مراكز تاريخية لصناعة الفخار على امتداد الوادي، من بينها محافظة الفيوم، التي تُعد من أبرز هذه المراكز، وحافظت قرى مثل نزلة الفيوم على هذه الحرفة عبر ورش تقليدية تعتمد على الطين المحلي وتقنيات متوارثة، وأسهمت في ترسيخ الفخار بوصفه نشاطًا اقتصاديًا وثقافيًا، ووصلت منتجاته إلى الأسواق المحلية والخارجية، مدعومة بمبادرات ومعارض للحفاظ على الحرف اليدوية.

وكشفت النقوش والنصوص المصرية القديمة عن منظومة متكاملة لتخزين الغذاء، اعتمدت على الصوامع والأواني الفخارية، بما أتاح تأمين الحبوب خلال مواسم الجفاف أو انخفاض منسوب الفيضان، وأسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات النيلية، كما استخدمت وسائل طبيعية أخرى لحفظ الغذاء، مثل التجفيف والتمليح، والتهوية المعمارية عبر الملاقف الهوائية، التي حسّنت ظروف الحفظ داخل المساكن والمخازن في بيئة مناخية حارة.

وفي سياق متصل، تُبرز الاكتشافات الأثرية الحديثة الدور المتقدم لورش تصنيع الأواني الفخارية، ولا سيما تلك التي أُنشئت جزئيًا أو كليًا تحت مستوى الأرض، فقد نجحت بعثة أثرية مصرية في الكشف عن ورشة متكاملة لصناعة الأواني الفخارية (الأمفورات) بموقع تبة مطوح غرب الإسكندرية، تعود إلى بدايات العصر الروماني، وتضمّ الورشة أفرانًا محفورة في الصخر، صُمّمت بعناية تتيح رصّ الأمفورات داخلها وإحكام إغلاقها بالطين وكسَر الفخار، مع ممرات مخصّصة لإدخال الوقود، بما يعكس فهمًا دقيقًا للتقنيات الحرارية.

وتشير الدلائل إلى إعادة استخدام الموقع في عصور لاحقة، من العصر البيزنطي وصولًا إلى العصور الوسطى، مما يؤكد استمرارية النشاط الصناعي وتحوّل وظائف المكان عبر الزمن.

وتكشف محافظة الفيوم المصرية عن نموذج فريد لامتداد هذه المعرفة التقنية، ويتجسّد ذلك في قرية نزلة الفيوم، المعروفة أيضًا باسم «قرية الفخّارين»، وارتبط اسم القرية بإنتاج أوانٍ تقليدية مثل الزير والقُلّة والبُكلة والدفاية، إضافة إلى "الزَلْعة"، وهي آنية خزفية مخصّصة لحفظ الطعام بطرق تقليدية، وتميّزت النزلة بأسلوب تصنيع يختلف عن تقنية الدولاب الشائعة، إذ يعتمد على الحفر والبناء التدريجي للطين، في طريقة أقرب إلى أساليب التشكيل المعروفة في الحضارة المصرية القديمة، كما شهدت القرية تجربة معمارية لافتة استلهمت عناصر العمارة التراثية، واعتمدت على الطمي المحلي الممزوج بقش الأرز، بما أسهم في إحياء نمط الورش التقليدية المبنية من الزلع الفخارية، وربط الحرفة بالبيئة والعمران المحلي.

وفي بُعده الثقافي الأوسع، تُجسّد هذه الممارسات جزءًا أصيلًا من التراث غير المادي المرتبط بنهر النيل، إذ لم تقتصر علاقة الإنسان به على كونه موردًا طبيعيًا، بل شكّلت منظومة معارف تقليدية نظّمت تفاصيل الحياة اليومية، وانتقلت عبر الأجيال، وبرزت في مراكز تاريخية مثل حي الفخّارين بالفسطاط، وفي الفيوم وصعيد مصر، حيث لا تزال بعض القرى تحافظ على هذه الصناعة بوصفها مكوّنًا حيًا من الذاكرة الجمعية.

وفي تصريح خاص لـ"واس"، قال كبير الفخّارين أشرف عابدين الذي يعمل في هذه الحرفة منذ أكثر من 30 عامًا، إن صناعة الفخار ما زالت تحتفظ بمدارس وتقنيات متباينة من مدينة إلى أخرى، مشيرًا إلى أنه من أبرز التحديات التي تواجه الحرفة ارتفاع تكلفة الخامة المستخدمة في التصنيع، مضيفًا أن دورة تصنيع الفخار تتراوح ما بين 10 و20 يومًا، وتمتد أحيانًا إلى 25 يومًا، موضحًا أن فصل الصيف يُعد الأنسب للإنتاج نتيجة سطوع الشمس، في حين تستغرق العملية وقتًا أطول خلال فصل الشتاء، لافتًا الانتباه إلى أن أسعار المنتجات الفخارية تبدأ من نحو 700 جنيه مصري وتختلف بحسب الحجم والاستخدام.

وعلى امتداد العالم العربي، تؤكّد الشواهد الأثرية في مواقع مثل مليحة بإمارة الشارقة، وواحات الأحساء، ومناطق في المغرب العربي والبحرين والكويت وقطر، انتشار تقنيات متقاربة لصناعة الفخار وتبريد المياه وحفظ الغذاء، ويعكس هذا التشابه وحدة الخبرة الإنسانية في التكيّف مع المناخ الحار، ويؤكد أن صناعة الفخار لم تكن حرفة منفصلة، بل جزءًا من منظومة صناعية متكاملة شملت الزراعة وتخزين الحبوب والنسيج والطهي والعمارة الطينية، وأسهمت في دعم الصناعات المعدنية المبكرة، ما رسّخ دورها بوصفها عنصرًا محوريًا في الاقتصاد القديم ونموذجًا مبكرًا للتكامل بين الإنسان وموارده الطبيعية.

وتعيد هذه التقنيات التقليدية اليوم طرح نفسها ضمن النقاشات الحديثة حول الحلول البيئية منخفضة التكلفة، بوصفها نماذج مستدامة صديقة للبيئة، قادرة على الإسهام في مواجهة التحديات المناخية المعاصرة، من خلال استلهام الخبرات التراثية وتوظيفها في سياقات حديثة.