السكك الحديدية في مصر تحتاج لتحديث جذري والعامل البشري غير مسؤول عن الحوادث - خبير مصري

(پاکستان پوائنٹ نیوز / سبوتنيك - 21 أبريل 2021ء) مصطفى بسيوني. تحولت حوادث القطارات في مصر إلى كابوس بعد مصرع ما يزيد عن 40 مواطنا وإصابة المئات في ثلاث حوادث خلال أقل من شهر في أماكن متفرقة على خطوط السكة الحديد، وما بين الحديث عن تقادم مرفق السكة الحديد في مصر والحاجة إلى تطويره، والأخطاء البشرية والحاجة إلى محاسبة المقصرين والمهملين، لا يشهد مرفق السكة الحديد سوى المزيد من الحوادث​​​.

السكك الحديدية تمثل في مصر أكثر من مجرد وسيلة نقل، فالمرفق الذي أنشئ في نهاية القرن التاسع عشر، وكان من أوائل مرافق السكة الحديد في العالم هو الذي ربط الدلتا بالصعيد، وجعل الانتقال بينهما سهلا لملايين المصريين، واليوم تنقل السكة الحديد يوميا أكثر من 1.4 مليون راكب وستة ملايين طن من البضائع سنويا على 9500 كيلو متر من خطوط السكة الحديد، فيما يعمل بالمرفق حوالي 90 ألف مواطن في مختلف الوظائف والمهن.

مرفق متهالك وإدارة عتيقة:

ومع التقادم الذي شهده المرفق وضعت الدولة خطة شاملة لتطوير السكة الحديد بتكلفة تبلغ 220 مليار جنيه (حوالي 14 مليار دولار) من المقرر أن تكتمل عام 2024، ولكن توالي حوادث القطارات النحو الذي شهدته مصر في الأسابيع الماضية يضفي ظلالا من الشك حول جدوى ما تم من تطوير حتى الآن، وما سيتم مستقبلا.

أستاذ النقل في جامعة القاهرة أسامة عقيل، يميز بين عملية الإحلال والتجديد في مرفق السكك الحديدية، وبين تحديثها عبر استخدام أنماط جديدة من تكنولوجيا النقل، ويبرئ العامل البشري من المسؤولية عن الحوادث، كما يرى أهمية المشاريع الجديدة التي بدأتها الدولة ولكن مع مراعاة المسؤولية الاجتماعية وعدم إهمال المرفق القديم.

ويحدد عقيل في تصريحات حصرية لسبوتنيك ما يراه أهم مشكلات السكة الحديد قائلا "السكة الحديد في مصر عمرها يزيد على 150 سنة، وهو ما يعني بداهة أن بها تراكم خبرات هائل، ولكن كيف ننظر لهذه الخبرات، هذه الخبرة ترتبط بالنواحي الفنية والإدارية البسيطة، ولكن المرافق الكبرى، كالسكة الحديد والطيران والطرق، لم تعد تدار بموظفين ذوي خبرة وفقط، ولكن أصبحت هناك شركات محترفة في إدارة مثل تلك المرافق ولديها إمكانيات فنية وتقنية عالية تمكنها من إدارة مرفق ضخم، لا يمكن الاعتماد على موظفين تدرجوا في وظائفهم لاعتبارات الأقدمية في إدارة مرفق بهذه الضخامة، السكك

لحديدية والموانئ والمطارات تدار في العالم عبر شركات، وفي مصر لدينا تجارب ناجحة في إدارة الموانئ والطيران عبر شركات إدارات محترفة، وهو ما يجب أن يطبق في السكة الحديد".

يلتقي هنا حديث عقيل مع دعاوي خصخصة السكة الحديد التي تعلو مع زيادة الحوادث، ولكنه ينفي ذلك موضحا "لا يعني هذا خصخصة مرفق السكة الحديد، إطلاقا، لدينا مثال واضح على ما تم في قطاع الطيران قبل سنوات، شركة مصر للطيران لم تخصص، وكذلك المطارات، ولكن طرحت إدارة المطارات، وتقدمت شركة ألمانية لإدارة المطارات وشركة مصر للطيران لسنوات بنفس العمالة الموجودة في المطارات، وكانت النتيجة ممتازة على كافة الأصعدة، وتحولت شركة مصر للطيران من الخسارة للربح، ما حدث أن الدولة تعاقدت مع شركة إدارة على تحقيق أهداف بعينها في مرفق الطيران وتحققت، دون أن تتم خصخصة

الطيران، هذا ما يجب أن يحدث في السكة الحديد لوقف التدهور في المرفق ووقف نزيف الحوادث".

من الترميم إلى التحديث:

ويميز عقيل بين رؤى مختلفة للتطوير، قائلا "مرفق السكة الحديد منهار منذ أكثر من نصف قرن، وذلك بسبب عدم التحديث، ما يحدث ليس تحديث ولكن إحلال، المعدات الهالكة يحل محلها أخرى جديدة، التحديث لا يعني إحلال محل الهالك، التحديث أمر مختلف، إذا أردنا تحديث السكة الحديد يجب أن نفهم أولا أن المرفق متخلف جيلين كاملين عن السكة الحديد في العالم، السكة الحديد في العالم مرت بمراحل، الجر بالفحم ثم الجر بالديزل ثم الجر بالكهرباء ثم الجر الإلكتروني المعتمد على أنظمة التحكم الآلي والحقول المغناطيسية، ولا زال هناك آفاق للتطور، نحن الآن لازلنا نعمل بالديزل، أ

متخلفين عن مرحلتين كاملتين في تطور السكة الحديد عالميا".

وأضاف عقيل "هذا التخلف التقني يفرض علينا في الصيانة وقطع الغيار والمعدات يارات سيئة، فعندما مثلا نحاول الحصول على قطع غيار لجرارات الديزل من الممكن أن نجد بعضها توقف إنتاجه أصلا لأنه تقادم ولم يعد مطلوب، نفس الأمر في الإشارات ومجمل المرفق".

وأكد عقيل "التحديث بمعنى التحويل لتكنولوجيا حديثة وليس ترميم القديمة، مكلف بالطبع وهو ما يعقد الأمر، والحل أكبر من هيئة السكة الحديد، والدولة هي التي يجب أن تضع خطة التحديث بما يتلاءم مع تطور مرافق السكة الحديد في العالم كله، وما حدث فيه من طفرات".

ولكن التكنولوجيا الحديثة تطرح مشكلات أكثر من التكلفة، كما يرى عقيل "المشكلة أن التكنولوجيا الحديثة تحتاج لكوادر لتشغيلها، لدينا خبرة وكفاءات في السكة الحديد نعم، ولكنها خبرات عملت على التكنولوجيا العتيقة، تكنولوجيا الفحم والديزيل، ولم تتدرب أو تتعلم العمل على التكنولوجيا الحديثة، والعمل بالحواسيب الإلكترونية، وبدء التدريب للعاملين بالسكة الحديد صعب، هذه التكنولوجيا الحديثة تحتاج للأجيال الشابة، وهو ما كان يجب أن يحدث من زمن وليس الآن، هذا التدريب يبدأ من مراحل التعليم الأولى، مثلا في الصيانة، هناك عامل يمر على خط السكة الحديد لكشف ا

لأعطال والمشاكل، ويسمى (عامل الدريسة)، في أجيال التكنولوجيا الحديثة، هناك ما يسمى (كنترول روم) مهمتها كشف الأعطال والتبليغ بإصلاحها، والحقيقة أن عامل الدريسة الحالي الذي يكشف الأعطال بالملاحظة الشخصية غير مؤهل للعمل في الكنترول روم، وبالتالي أن بحاجة أولا للكنترول روم، وبحاجة أيضا للكوادر المؤهلة للعمل بها، ما أقصده هنا أن تطوير السكة الحديد لا يعني فقط شراء جرارات جديدة وعربات جديدة، فيما يعني التطوير تحديث جذري للمرفق".

السكة الحديد مرفق اجتماعي:

ولا يرى عقيل أن إنشاء خطوط سكة حديد حديثة وفائقة السرعة يعني إهمال المرفق القديم مؤكدا "تطوير السكة الحديد مرتبط بسياسة النقل في مصر بالكامل، يجب النظر للسكة الحديد كجزء من تلك السياسة، وهو ما يطرح السؤال السائد حاليا، مع اتجاه الدولة لإنشاء خطوط القطار الكهربائي، من العين السخنة للعالمين، وغيرها، هل نحن بحاجة لخطوط جديدة، بتكنولوجيا حديثة وقطارات فائقة السرعة أم علينا تحديث الخطوط القديمة".

وتابع عقيل "الحقيقة نحن نتكلم عن شبكة واحدة للسكة الحديد، حتى لو بتكنولوجيا متعددة، ولكن ما يجب وضعه في الاعتبار هنا هو الإدارة، وضع خطوط جديدة بيد الإدارة القديمة للسكة الحديد سيؤدي لفشل التحديث، نتحدث عن مرفقين متصلين ببعض ولكن جهتي إدارة منفصلتين، هذه النقطة الأولى".

وأضاف عقيل "هل يعني ذلك إهمال القديم لصالح الجديد، أتصور أننا نحتاج لسكة حديد حديثة بالفعل، وفي نفس الوقت الاستمرار في تطوير المرفق القديم وعدم إهماله، خطوط متوازية سيكون بينها فوارق في الجودة والتكلفة بالطبع، وهو مطلوب أيضا لتلبية احتياجات قطاعات متنوعة، ولكن كلما احتجنا لخطوط جديدة ننشئ خطوط حديثة وبهذا يتم تحديث السكة الحديد على المدى الأبعد".

ويؤكد عقيل على البعد الاجتماعي للسكة الحديد، قائلا "ولكن هل كلما احتجنا لخطوط سننشئ مثلا خطوط فائقة السرعة، لا أظن أن هذا صحيح، يجب مراعاة كثافة الاستخدام مع درجة التحديث، بمعنى لا داعي لوضع قطار حديث فائق السرعة على خط ستكون كثافة استخدامه ضئيلة، لن يكون هذا اقتصادي، ستكون تكلفة غير ضرورية، بينما في خطوط الاستخدام الكثيف سيؤدي ذلك لمعدلات تقاطر أسرع وتوصيل أعداد أكبر من الركاب، كذلك المزلقانات هل يجب تحويل كافة المزلقانات لكباري، بعض النقاط التي لا تمر عليها القطارات بكثرة لا ضرورة فيها لذلك، أحدث الأنظمة لا زالت تستخدم المزلقانات. هنا

الجانب الآخر الذي يجب أن يراعي مع الإدارة والتحديث، وهو التدرج، كافة مرافق السكة الحديد في العالم تحمل طابع متدرج الذي يتناسب مع الجدوى الاقتصادية، أي أنه طالما مستوى معين في أحد الأماكن يلبي الغرض ولا يسبب مخاطر لا داعي لإهدار اقتصادي لتطويره، بما يسمح أيضا بالتطوير في منطقة أخرى".

وأضاف عقيل "لدينا أيضا المسؤولية الاجتماعية، لا يمكن عمل وسائل نقل لا تتناسب مع الركاب، طبيعة ركاب السكة الحديد تفرض أيضا نفسها، الجمهور الأوسع للسكة الحديد لا يمكنه تحمل ارتفاعات كبيرة في التذاكر، وبالتالي نحتاج لأسعار تذاكر معتدلة، وبالتالي تطوير السكة الحديد القائمة له أولوية ليتحمل مسؤوليته الاجتماعية، ولا يجب إهماله لصالح الخطوط الحديثة الأعلى في الكلفة والتذاكر".

العامل البشري برئ من الحوادث:

ويرفض عقيل كذلك تحميل مسؤولية الحوادث على العامل البشري، مؤكدا أن "مسؤولية العامل البشري في حوادث القطارات صفر، ما لم يكن هناك قصد جنائي بالطبع، العالم كله يسعى بسرعة لتقليل العنصر البشري لصالح الميكنة بما يقلل من نسبة الخطأ البشري، لأن هناك نسبة خطأ بشري طبيعية لا يمكن لوم أحد عليها، والميكنة هي الطريق الوحيد لتفادي خطأ العنصر البشري، الذي يتعب وينهك وينسى ويرتبك إلى آخر عوامل الخطأ البشري، لا يمكن محاسبة البشر على طبيعتهم، وعندما يضطر السائق والمساعد والعامل للعمل لساعات طويلة فاحتمال الخطأ يكون كبيرا. لا يمكن وضع العامل في ظروف صعبة و

مرهقة ثم محاسبته على الحوادث، العامل البشري يحتاج أولا لتوفير الظروف الملائمة، وغير ذلك دفن للرؤوس في الرمال وتحميل مسؤولية لأبرياء".